search menu
**سحر الغرب المنسي: حينما يروي إيقاع "النقارة" حكايات دارفور وكردفان**
ثقافة

**سحر الغرب المنسي: حينما يروي إيقاع "النقارة" حكايات دارفور وكردفان**

24 April 2026

بقلم: Shafei Sharif

**سحر الغرب المنسي: حينما يروي إيقاع "النقارة" حكايات دارفور وكردفان**

في قلب السودان، حيث تمتزج رمال الصحراء بخصوبة الوديان، يمتد إرث فني وثقافي لا يزال ينبض بالحياة، متحدياً عاديات الزمن. إن الحديث عن غرب السودان، وتحديداً إقليمي دارفور وكردفان، هو رحلة في دهاليز الفلكلور الذي لا يمثل مجرد "تراث" جامد، بل هو لغة يومية يتحدث بها الإنسان هناك، ليعبر عن أفراحه، مواقفه، وعلاقاته بالطبيعة والآخر.

**إيقاع الأرض: "النقارة" بوصلة القبائل**
لا يمكن أن تذكر فلكلور الغرب دون أن تصدح في ذاكرتك أصوات "النقارة". هذه الآلة الإيقاعية ليست مجرد أداة موسيقية، بل هي "صوت القبيلة" ورمز هيبتها. في باحات القرى الكردفانية وساحات دارفور، يجتمع الرجال والنساء في حلقات دائرية، حيث يتسابق الراقصون في "الكرير" و"الجراري"، في تمازج حركي بديع يعكس القوة والرشاقة. هنا، تخرج الكلمات من أفواه الشعراء الشعبيين كأنها رصاصات عزة، تتغنى بالفروسية، والكرم، وشجاعة الرجال في حماية الديار.

**أدب "الحكامات".. ذاكرة المجتمع**
في غرب السودان، تمتلك المرأة سلطة أدبية واجتماعية لا تضاهيها سلطة، فـ "الحكامة" هي مؤرخة المجتمع وضميره الحي. هي التي تشعل حماس المقاتلين في ساحات الوغى بقصائدها الموزونة، وهي التي تصحح مسارات الأفراد بـ "الدوبيت" و"الجراري". إن الحكامات هنّ حارسات الهوية، اللواتي يحفظن تاريخ القبائل في ذاكرتهن وينقلنه للأجيال عبر نغمات الشجن، مما يجعل الأدب الشعبي في الغرب وسيلة للتوجيه الاجتماعي لا للترفيه فحسب.

**حكايات الجدات: خيال يتجاوز الحدود**
إذا توغلت في أعماق القرى، ستجد أن الفلكلور القصصي (الحجوات) يمثل مدرسة التربية الأولى. قصص "النمير" و"الضباع" و"الشاطر حسن" بلمستها السودانية المحلية، ليست مجرد خرافات، بل هي إسقاطات لحياة الناس وتحدياتهم مع الطبيعة والوحوش. إنها حكايات تعزز قيم الصبر، المكر، والانتصار للحق، وتُروى تحت ضوء القمر وسط دوائر العائلة، لتزرع في نفوس الأطفال ملامح شخصيتهم السودانية الأصيلة.

**الأزياء والجمال: بصمة بصرية لا تخطئها العين**
تنعكس روح الغرب أيضاً في أزيائه التي تزهو بألوان مستمدة من الطبيعة. فالمرأة في غرب السودان تزين تفاصيلها بـ "الفركة" و"الحجاب" والإكسسوارات المصنوعة من الخرز والجلود، في تناغم بصري يبرز الهوية المحلية بوضوح. هذه الأزياء ليست مجرد زينة، بل هي طقس تعبيري يرافق مناسبات الزواج والاحتفالات القومية، مؤكدة أن الفلكلور في هذا الجزء من البلاد هو كلٌ متكامل يربط الإنسان بأرضه.

**دعوة للحماية**
إن الفلكلور في غرب السودان، رغم صموده، يواجه تحديات العصرنة والنزوح والحروب التي حاولت طمس معالمه. إننا في "سودان اليوم" نؤكد أن هذا التراث هو "الخزان الاستراتيجي" لهوية السودان الجامعة. فالحفاظ على "النقارة" و"الدوبيت" وتوثيق قصص "الحكامات"، ليس مجرد رفاهية ثقافية، بل هو معركة لحماية الذاكرة السودانية من الاندثار.

إن غرب السودان لا يزال يمتلك الكثير ليقوله، وما علينا سوى أن ننصت جيداً، لنسمع في صمت الصحراء صدى حضارة ترفض النسيان.
pattern

انضم إلى مجتمعنا الثقافي

نشرة أسبوعية تغوص في أعماق الثقافة والفنون السودانية. كن جزءاً من السردية الجديدة.

ink_pen

قصص ذات صلة

**نيلنا.. شريان الحياة الذي لا ينضب: قصة الهوية والخلود**
ثقافة

**نيلنا.. شريان الحياة الذي لا ينضب: قصة الهوية والخلود**

منذ فجر التاريخ، لم يكن النيل بالنسبة للسودانيين مجرد نهرٍ يعبر أراضيهم من الجنوب إلى الشمال، بل كان ولا يزال "أبانا العظيم" الذي صاغ هويتنا، وشكّل وجداننا، ورسم بمداده الأزرق والأبيض ملامح حياتنا اليومية

**السودان.. "بلد المليون ميل" حيث تنصهر القارات في هوية واحدة**
ثقافة

**السودان.. "بلد المليون ميل" حيث تنصهر القارات في هوية واحدة**

بين ضفاف النيل الذي يعانق التاريخ في مجراه، وبين مفاوز الصحراء وحكايات الأدغال، ينسج السودان نسيجه الثقافي الفريد الذي لا يشبه غيره. إن الحديث عن الثقافة السودانية ليس مجرد سردٍ لتاريخ